#بغداد | كلمة وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين د. أفراح الزوبة خلال الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد.
نص الكلمة
بسم الله الرحمن الرحيم
معالي السيد/ فُؤاد مُحَمَّد حُسَيْن، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية بجمهورية العراق الشقيقة، رئيس الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء الخارجية،
معالي السيد/ هاكان فيدان، وزير خارجية الجمهورية التركية الشقيقة، رئيس الدورة الحادية والخمسين لمجلس وزراء الخارجية،
معالي السيد/ إسماعيل ولد الشَّيخ أَحْمَد، الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي،
معالي السيد/ سيرين مودو نجي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والغامبيين في الخارج بجمهورية غامبيا، ممثل رئاسة القمة الإسلامية،
أصحاب السُّمُوِّ والمعالي والسعادة، رُؤَساء الوفود،
السيدات والسادة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يطيب لي في مُسْتَهَلِّ كلمتي أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جمهورية العراق الشقيقة على استضافة أعمال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، مُثَمِّنَةً جهودها في إنجاح هذا الاجتماع وتعزيز العمل الإسلامي المشترك. كما أعرب عن تقديرنا للجمهورية التركية الشقيقة على جهودها خلال رئاستها للدورة السابقة، وأُهَنِّئُ معالي الأمين العام السيد إسماعيل ولد الشَّيخ أَحْمَد على تَوَلِّيه مهامه، وهو الذي عرف اليمن وقضيته عن قرب، مُتَمَنِّيَةً له وللأمانة العامة التوفيق في خدمة قضايا أمتنا.
أصحاب المعالي والسعادة،
نجتمع اليوم في مرحلة بالغة الدقة، تتعرض فيها منطقتنا لتهديدات متزايدة تطال أمن الدول وسيادتها ومنشآتها المدنية ومَمَرَّاتها البحرية، وهي ظروف تستدعي أن يتحول التضامن الإسلامي من شعار إلى موقف موحد وخطوات عملية تحمي شعوبنا ودولنا.
أتحدث إليكم باسم الجمهورية اليمنية، حامِلَةً رسالة شعب أَنْهَكَتْهُ ميليشيا الحوثي الإرهابية بانقلابها وحربها وحصارها لمدنه، وما جرّته عليه من نزوح وفقر، لكنه لا يزال متمسكاً بحقه في الحياة والحرية والكرامة، وفي استعادة مؤسسات دولته الوطنية.
وأتحدث إليكم بعد أيام من استهداف الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران مُقَرَّ الرئاسة والحكومة في قصر مَعاشِيق بالعاصمة المؤقتة عَدَن بالصواريخ الباليستية والطائرات المُسَيَّرَة، بالتزامن مع حصار تَعِزّ وقصف أحيائها السكنية وتجويع أهلها، واستهداف المدنيين في مَأْرِب ولَحْج وسائر المحافظات اليمنية.
لقد قَوَّضَتْ هذه الميليشيات بانقلابها مؤسسات الدولة، وأطالت أَمَدَ الحرب، ودفعت ملايين اليمنيين إلى دائرة المعاناة، واستغلت كل هدنة ومبادرة لإعادة التسلح والتصعيد. ولم يعد أمام الدولة إلا الاضْطِلاع بمسؤولياتها الدستورية عبر عملية «فَجْر اليمن» التي أعلن عنها فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد محمد العليمي، لاستعادة مؤسساتها وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني، وحَصْر السلاح وقرار الحرب والسِّلْم بيدها.
إن الحكومة اليمنية، التي تمسكت بخيار السلام طوال اثني عشر عاماً وتعاملت بجدية مع كل المبادرات الإقليمية والأممية، لن تقبل أن يتحول السلام إلى غِطاء يكافئ الانقلاب ويُشَرْعِنُ السلاح خارج مؤسسات الدولة؛ فالسلام العادل والمستدام لا يقوم إلا على احترام سيادة الجمهورية اليمنية ووحدتها وسلامة أراضيها، واستعادة مؤسساتها، والالتزام بالمرجعيات الثلاث المتفق عليها وطنياً وإقليمياً ودولياً: المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2216.
وقد دفع الشعب اليمني ثمناً باهظاً من أرواحه وأمنه وموارده ومستقبل أبنائه. فالميليشيات، في مناطق سيطرتها، تقمع أهلنا بقوة السلاح، وتنهب أرزاقهم، وتُجَنِّدُ أطفالهم قَسْراً، وتفرض عليهم التَّلْقِين الأيديولوجي، وتعبث بالهوية الوطنية لمؤسساتهم التعليمية. إن قضيتنا تحرير بلادنا وأهلنا، واستعادة مؤسسات الدولة التي تضمن أمن اليمنيين جميعاً، ويسودها القانون، وتُصانُ فيها الحقوق والكرامة الإنسانية.
أصحاب المعالي،
إن استمرار الحرب في اليمن لا يمكن فصله عن الدعم العسكري والتقني الذي تقدمه إيران للميليشيات الحوثية، وما يترتب عليه من إطالة أَمَدِ الصراع وتحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لتهديد أمن المنطقة. وهذه التدخلات لا تنسجم مع مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول الأعضاء التي يقوم عليها مِيثاق منظمتنا، وتستوجب منها موقفاً واضحاً ومسؤولاً يرفض كل تدخل يغذي الصراع.
ولا يستقيم أن يعرض الوساطةَ من يسلّح أحد أطراف النزاع ويُمِدُّه بأدوات القتل والتدمير، ثم يصوّر ما يجري في اليمن نزاعاً بين بلدين، وهو في حقيقته انقلابُ ميليشيا مسلحة على دولةٍ عضوٍ في هذه المنظمة. ونستغرب كيف تدعو إيران إلى الوساطة، وهي التي سلّحت ميليشيا الحوثي ودرّبتها ورعتها، وحرصت على أن يطال تهديدها دول الجوار وممرات التجارة الدولية. وعالمنا الإسلامي يرى اليوم بوضوح التباين بين الخطاب السياسي المنمّق والأفعال التخريبية لإيران، التي تستهدف تضليل العالم بشأن طبيعة الحرب، وتكريس مشروعيةٍ زائفة للانقلاب.
إِنَّ إرهاب هذه الميليشيات، بِتَرْسانَتِها الإيرانية من الصواريخ الباليستية والمُسَيَّرات، يهدد أمن منطقتنا بأسرها، ويستوجب من عالمنا الإسلامي الحزم ذاته الذي أبداه في مواجهة إرهاب تنظيم «داعش». ومن هذا المنطلق، ندعو الدول الأعضاء إلى تصنيف الميليشيات الحوثية منظمةً إرهابية، وتجفيف مَنابِع تمويلها، ووقف تدفق السلاح والخبرات العسكرية إليها.
وتعرب الجمهورية اليمنية عن تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، والمملكة الأردنية الهاشمية، وسائر الدول العربية التي طالتها الاعتداءات الإيرانية واعتداءات أَذْرُعِها المسلحة، وتؤكد أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن محيطه العربي والإسلامي، وأن استهداف المدن والمطارات والمنشآت المدنية أمر مرفوض لا يمكن تبريره بأي ذريعة سياسية أو عسكرية.
وحين أطلقت الميليشيات الحوثية صاروخاً باليستياً باتجاه مكة المكرمة عام 2016، اجتمعت اللجنة التنفيذية لمنظمتنا في جدة، وعَدَّتْ ذلك استفزازاً سافراً لمشاعر المسلمين وتحدياً صارخاً لِحُرْمَة مُقَدَّساتِهم. واليوم، تعود هذه الميليشيات الإرهابية إلى النهج ذاته، بمحاولات استهداف مكة المكرمة، قِبْلَةِ المسلمين، والمدينة المنورة، مَدِينَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَهْوَى أَفْئِدَةِ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وقد أدانت منظمتنا هذه الاعتداءات الآثمة، وهي وقائع ثابتة لا يمحوها الإنكار ولا تغيّرها حملات التضليل.
إن المساس بأَقْدَسِ بِقاع الأمة اعتداء على العالم الإسلامي بأسره، وحماية الحرمين الشريفين وسلامة قاصِدِيهِما مسؤولية إسلامية مشتركة، تستوجب من منظمتنا موقفاً حازماً وموحداً، وإجراءات عملية تردع هذه الاعتداءات وتصون حرمة المقدسات وأمن الآمِنِين.
كما ندين بأشد العبارات الهجمات الحوثية على مطار عَدَن الدولي، ومطار الملك خالد الدولي في الرياض، وسائر المطارات والمدن في المملكة العربية السعودية الشقيقة. إن استهداف المنشآت المدنية وترويع المسافرين والمعتمرين وتعريض أرواحهم وأرواح العاملين فيها للخطر يكشف جَسامَة التهديد الذي تمثله هذه الميليشيات لأمن اليمن وجواره وسلامة الطيران المدني. وندعو إلى تعزيز التنسيق والتعاون بين دولنا لحماية المدنيين والمنشآت المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات، بما يحول دون تكرارها ويصون أمن شعوبنا واستقرار منطقتنا.
أصحاب المعالي والسعادة،
إن تهديد المَلاحَة في البحر الأحمر وباب المَنْدَب وخليج عَدَن يتجاوز اليمن إلى أمن المنطقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد. وحماية المَلاحَة لا يمكن أن تتحقق في البحر وحده، بل تتطلب استعادة سيادة الدولة اليمنية على أراضيها وسواحلها، وتمكين مؤسساتها، وفي مقدمتها خَفَرُ السواحل، من أداء مسؤولياتها.
إن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في صميم أهداف منظمتنا ومسؤولياتها. ونحن اليوم أمام تحدٍّ متصاعد: تَخادُمٌ عابِرٌ للحدود بين الميليشيات الحوثية والجماعات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، يمتد إلى القرن الإفريقي، ويوفر من السلاح والمال ما يغذي العنف ويهدد أمن دولنا الأعضاء.
ومن هنا ندعو إلى ترجمة هذه المسؤوليات إلى خطوات عملية تعزز التعاون الأمني وتبادل المعلومات بين دولنا، وتُفَكِّكُ شبكات التمويل والإمداد، وتكافح تهريب الأسلحة والمخدرات وغَسْل الأموال. فإن لم نتحرك اليوم، فستكون كلفة المواجهة غداً أكبر على الجميع.
وفي الجانب الإنساني والتنموي، نؤكد أهمية توسيع المساعدات للشعب اليمني، ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات والخدمات الأساسية، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأشد تضرراً، وفي مقدمتها تَعِزّ ومأرب. ونطالب بتحرك عاجل لِفَكِّ الحصار عن تَعِزّ، وفتح ممرات آمنة لإيصال الغذاء والدواء إلى سكانها. كما نتطلع إلى دور أكثر فاعلية لمؤسسات المنظمة المالية والإنسانية والتنموية، عبر برامج تُنَفَّذُ بالتنسيق مع الحكومة اليمنية.
أصحاب المعالي،
ستبقى القضية الفلسطينية قضية أمتنا المركزية، مُتَجَذِّرَةً في وجدان اليمنيين وضميرهم الوطني. وتجدد الجمهورية اليمنية موقفها الثابت إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ونيل حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية. ونؤكد رفضنا القاطع لأي شكل من أشكال التهجير، وضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
غير أن ميليشيا الحوثي اتخذت من شعارات فلسطين غِطاءً لمشروعها وأجندات داعميها؛ وادّعت الدفاع عن القدس وهي تحاول استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة. إن موقف اليمن من فلسطين، دولةً وحكومةً وشعباً، أقدم وأعمق من أن تحاول اختطافه ميليشيا أَمْعَنَتْ في قتل اليمنيين وتشريدهم. وتوظيف فلسطين لتبرير العنف لا ينسجم مع تعاليم ديننا الحنيف، ولا يبرر الاعتداء على المدنيين أو تهديد أمن الدول والملاحة الدولية؛ فَرَدْعُ العُدْوان الإسرائيلي لا يتحقق عبر حروب بالوكالة، والتضامن الحقيقي مع الشعب الفلسطيني يبدأ بموقف عربي وإسلامي موحد، وتحرك سياسي ودبلوماسي وإنساني يحمي حقوقه المشروعة، لا بممارسات توسّع دائرة المعاناة وتَجُرُّ المنطقة إلى مزيد من الصراعات.
لقد تَحَمَّلَ اليمنيون سنوات طويلة من الحرب والنزوح وحصار الميليشيات لمدنهم، وهم يستحقون وقفة صادقة تعيد إليهم الأمل في دولةٍ تحفظ لهم الأمن والسلام والكرامة. إن دعم اليمن دعمٌ لسيادة الدول، ورفضٌ للانقلابات المسلحة، وحمايةٌ لاستقرار المنطقة بأسرها. ونحن واثقون أن هذه المنظمة، التي قامت على صون سيادة أعضائها وأمنهم، ستقف إلى جانب الدولة اليمنية في بسط سيادتها وحماية شعبها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
وزارة الخارجية وشؤون المغتربين – الجمهورية اليمنية الموقع الرسمي