وزيرة الخارجية في حوار مع وكالة «سبوتنيك»: اليمن ليس ورقة إيرانية للتفاوض.. ومستقبله يقرره اليمنيون عبر دولتهم ومسارهم الوطني

أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين الدكتورة أفراح الزوبة حواراً مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، تناولت فيه موقف الحكومة اليمنية من التطورات الميدانية في الساحل الغربي وتداعياتها الإنسانية، وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والعلاقات مع المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وروسيا الاتحادية، والتدخلات الخارجية في الأزمة اليمنية، وآفاق الاستقرار.

وأكدت الوزيرة في الحوار أن التطورات الميدانية لا تغيّر هدف استعادة مؤسسات الدولة ولا تمنح المليشيا الحوثية حق فرض أمر واقع بقوة السلاح، وأن مستقبل اليمن يقرره اليمنيون عبر دولتهم ومسارهم الوطني بدعم أشقائهم وشركائهم، وأن اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات ولا ورقة لتحسين شروط التفاوض الإقليمي لأي قوة إقليمية. وشددت على أن السيطرة العسكرية على موقع لا تمنح حقاً في التحكم بالملاحة، وأن أمن البحر الأحمر يبدأ بتمكين الدولة اليمنية على ساحلها وموانئها وجزرها.

كما ثمّنت الوزيرة وقوف المملكة العربية السعودية الشقيقة إلى جانب الشعب اليمني وقيادته الشرعية، مؤكدة أن الأزمة ليست بين المملكة والحوثيين بل بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع اللادولة الحوثي؛ ووصفت مصر بالشريك العربي الأساسي الذي يتكامل دوره مع الدور المحوري للمملكة والمسار الأممي؛ وثمّنت المواقف الروسية الداعمة لحرية الملاحة في مجلس الأمن، متطلعة إلى إسهام موسكو في موقف دولي متماسك يرفض استهداف الملاحة. وخلصت إلى أن المدخل الوحيد للاستقرار هو إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وفق المرجعيات المتفق عليها وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 2216.

وفيما يلي نص الحوار:

1– ما هو موقف الحكومة اليمنية الشرعية من التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة في اليمن؟

موقف الدولة تم التعبير عنه عبر قنواتها المعتمدة. وقد أكد فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، اليوم 17 سبتمبر، أن الدولة قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، وأن المرحلة الحالية امتداد لمواجهة مستمرة تخوضها الدولة لاستعادة مؤسساتها، وتأمين أراضيها وسواحلها ومياهها الإقليمية، وحماية الممرات البحرية من التهديدات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للحدود. كما عبّرت الحكومة بوضوح عن موقفها وإجراءاتها في اجتماع مجلس الوزراء الأخير.

أما التطورات الميدانية في الساحل الغربي، فنتعامل معها بمسؤولية والتزام، وتعمل قيادة الجيش على استيعاب تداعياتها، وإعادة تنظيم القدرات، وتوحيد الجهود لاستعادة زمام المبادرة. لا نقلل من صعوبة ما حدث أو من معاناة المواطنين، ونقدر عالياً تضحيات قواتنا المسلحة؛ ومسؤوليتنا هي معالجة أوجه القصور، وتعزيز تماسك مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين وإسناد المتضررين. هذه التطورات لا تغيّر هدفنا في استعادة الدولة، ولا تمنح المليشيا حق فرض مستقبل اليمنيين بقوة السلاح.

تعمل قيادة الدولة والحكومة على تعزيز الجاهزية والإسناد، بالتوازي مع استمرار المؤسسات والخدمات وتوسيع الاستجابة الإنسانية. المواطن لا يجوز أن يدفع ثمن الاعتداء الحوثي، ثم يدفع ثمناً إضافياً لتعطل مؤسسات دولته.

نحن ندافع عن حق اليمنيين في دولة مستقلة، وعن مسؤولية مؤسساتها في حماية الأرض والمواطن والقرار الوطني. لا نريد أن تبقى بلادنا مساحة لحروب وانتهاكات تفرضها علينا جماعة إرهابية منفلتة تعتقد بإمكانها فرض إرادتها أو تحسين موقعها بالقوة. رهاننا على إرادة شعبنا، وصمود قواتنا المسلحة، ووحدة القوى الوطنية، ومساندة أشقائنا وشركائنا.

وهذا هو الموقف الذي نحمله إلى جميع أصدقائنا، ومن بينهم روسيا الاتحادية. ونحن متأكدون أن هذا فهم مشترك لمبادئ الاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.

2- كيف سينعكس هذا التصعيد العسكري والأمني على الوضع الداخلي في البلاد من الناحية الإنسانية؟

الانعكاسات الإنسانية ليست احتمالاً ننتظر وقوعه؛ إنها واقع تعيشه الأسر التي غادرت منازلها وفقدت الأمان ومصادر الرزق. التقارير الوطنية والأممية ترصد نزوح عشرات الآلاف، وضغوطاً متزايدة على المأوى والمياه والغذاء والصحة، فيما تواجه بعض المجتمعات موجات نزوح متكررة وصعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

المعاناة لا تنتهي عندما تصل الأسرة إلى منطقة أكثر أمناً. هناك تلاميذ انقطعوا عن التعليم، ومرضى يتعذر علاجهم، وأسر فقدت دخلها، ومجتمع مضيف يتقاسم خدماته المحدودة مع النازحين.

وإذا استمر التصعيد، فإن الأضرار ستتجاوز الاحتياج العاجل إلى إضعاف قدرة الناس على استعادة حياتهم والإنتاج والاعتماد على أنفسهم.

الأولوية الحكومية هي حماية المدنيين وتلبية احتياجات النازحين وإسناد السلطات المحلية واستمرار الخدمات. ومن جانبنا في الخارجية، نعمل على مساندة هذه الأولويات، وتيسير التعاون مع المنظمات والشركاء، بحيث تصل الاستجابة إلى الناس ولا تتوقف عند إعلان التعاطف معهم. وهذه المسؤولية تشمل اليمنيين في جميع مناطق الجمهورية دون تمييز.

كما نحرص على توثيق الانتهاكات وحفظ حقوق الضحايا ومساءلة المسؤولين عنها. والحكومة، وهي تمارس واجبها في الدفاع عن الجمهورية، تظل ملتزمة بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني؛ وأي ادعاء ذي مصداقية بوقوع انتهاك يستوجب التحقق والمساءلة.

استعادة الدولة بالنسبة لنا ليست استعادة مبانٍ ومواقع فقط؛ هي أن يستطيع المواطن البقاء في بيته، أو العودة إليه بأمان وكرامة. ولذلك نحتاج إلى استجابة تنقذ الحياة الآن، وتمنع في الوقت نفسه تحول النزوح إلى مصير دائم.

 

3- كيف ستؤثر هذه التطورات على وضع الملاحة البحرية الدولية في حوض البحر الأحمر ومضيق باب المندب؟

الخطر لا يقتصر على احتمال تعطيل الملاحة، بل يمتد إلى محاولة فرض شروط جماعة مسلحة على بقائها حرة وآمنة. وتقدم المليشيات الحوثية نحو المواقع الساحلية على البحر الأحمر وباب المندب يمثل بلا شك خطورة حقيقية على الملاحة، ويحدّ من قدرة الدول وشركات الشحن والقطاعات التجارية الدولية على توقع ما قد يحدث في هذا الممر الحيوي .

لكن من الضروري التمييز بين السيطرة العسكرية على موقع وبين اكتساب حق قانوني في التحكم بالملاحة. سيادة الجمهورية اليمنية على أراضيها وجزرها لا تتغير بالقوة، وحقوق المرور في المضائق الدولية لا تصبح امتيازاً تمنحه جماعة مسلحة لمن تختاره. القانون الدولي يجمع بين حقوق الدول الساحلية وواجباتها وبين ضمانات الملاحة، ولا يجيز تحويل المرور إلى وسيلة تمييز أو إكراه.

نرفض أن تُختزل القضية في سؤال: هل تمر السفن اليوم أم لا؟ السؤال الأهم هو: هل تعبر استناداً إلى قواعد مستقرة، أم تحت تهديد مليشيا مسلحة تستطيع تغيير شروطها في أي لحظة؟ مرور السفينة تحت التهديد لا يعني أن حرية الملاحة قد صينت.

هذه مصلحة مشتركة لا تنتمي إلى معسكر دولي دون آخر. ونثمن تأكيد روسيا في مجلس الأمن موقفها الداعم لحرية الملاحة، ورفضها استهداف السفن التجارية، ودعوتها الحوثيين إلى احترام سيادة دول الجوار. نرى في ذلك أساساً مهماً للعمل المشترك.

والاستجابة المستدامة تحتاج إلى تمكين الدولة اليمنية على ساحلها وموانئها وجزرها، وإلى تعاون مع الدول المشاطئة والشركاء الإقليميين والدوليين. حماية السفن ضرورية، لكن يجب أن تقترن بمعالجة البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج التهديد.

 

4- كيف ستتعامل الحكومة اليمنية الشرعية في عدن مع هذا التصعيد الخطير في البلاد؟

التصعيد الحوثي بدأ قبل أكثر من شهرين، وفي الحقيقة، طوال مدة الهدنة منذ 2022، لم يتوقف التصعيد الحوثي قط؛ بل كان ينتقل من صورة إلى أخرى، مستهدفاً خنق الاقتصاد الوطني، وتعطيل فرص التعافي، وإدخال اليمن في أتون صراعات ومواجهات. ومنذ ذلك الحين ونحن نتبع نهجاً سياسياً ودبلوماسياً للتعامل معه، ونتيجةً لاستمرار التهديدات الحوثية للمدنيين والمرافق الحيوية للبلاد، اتخذت الدولة قرارها بضرورة ردع هذه الانتهاكات.

نشير إلى هذا النهج بـ«الردع المتكامل». ونتعامل بمنطق الدولة: حماية المواطنين، وتصحيح أوجه الخلل، واستعادة القدرة، وتوظيف العمل الدبلوماسي لخدمة هذه الأهداف. لا نختزل الاستجابة في الجبهة العسكرية، كما لا يمكن أن نواجه اعتداءً مسلحاً بالبيانات وحدها.

على المستوى الوطني، تأتي في مقدمة الأولويات وحدة الجهد والقرار، وتعزيز جاهزية المؤسسات العسكرية والأمنية وإسنادها، واستمرار المرافق العامة والخدمات والاستجابة لاحتياجات النازحين. كما أن معالجة الأخطاء والمراجعة المؤسسية جزء من استعادة الفاعلية، وليست نقيضاً لوحدة الصف.

وفي المسار الخارجي، نركز على تحويل المواقف المساندة إلى تعاون عملي. نطلب دعماً لقدرات المؤسسات اليمنية، وتنفيذاً للقرارات المتعلقة بمنع إمداد المليشيا بالسلاح والمساعدة العسكرية، ومساندةً لحماية المدنيين والتعافي. فاعتراض شحنة لا يكفي إذا بقيت شبكة شرائها وتمويلها ونقلها قادرة على تعويضها؛ ولهذا يجب أن تتناول الاستجابة سلسلة الإمداد بأكملها.

ونعمل مع أشقائنا في تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، ومع شركائنا الدوليين، على أساس أن الشراكة تعزز قدرة الدولة ولا تستبدل مسؤوليتها. كما أن توحيد الصف الوطني لا يعني تعطيل المراجعة والمساءلة؛ بل يقتضي معالجة الخلافات والأخطاء داخل المؤسسات، ومنع تحولها إلى ثغرات يستفيد منها المشروع الحوثي.

 

5- كيف ستؤثر هذه الأحداث بشكل عام على مستقبل اليمن، وهل هناك حلول إقليمية أو دولية مطروحة لوقف القتال وحفظ سلم المواطنين اليمنيين؟

هذه الأحداث تجعل استعادة الاستقرار أكثر إلحاحاً، لكنها لا تمنح الحرب حق تحديد مستقبل اليمن. مستقبل بلدنا يجب أن يبقى بيد اليمنيين، عبر مؤسساتهم وإرادتهم الحرة، لا رهينة لتغير خطوط المواجهة أو حسابات قوى ترى في اليمن مجرد ذراع لإشغال العالم وإعاقة أي جهود للاستقرار في المنطقة.

سنظل نعتبر السلام غاية سامية نصبو إليها؛ لكنه السلام المبني على معيار إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وحماية وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، وفق المرجعيات الوطنية والدولية المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 2216. وقف القتال أمر مهم لحماية الناس، لكن استدامته تحتاج إلى معالجة السلاح والموارد والمنافذ وقرار الحرب والسلم. لا يكفي توقيع اتفاق إذا بقيت القدرة على إسقاطه خارج سلطة المؤسسات.

وفي هذا الإطار، نرى أهمية الدور الروسي وسائر الأدوار الدولية الداعمة لسيادة اليمن واستقراره. اختلاف التقديرات بين العواصم لا ينبغي أن يحول اليمن إلى ملف تتنازع عليه، بل إلى مساحة تتعاون فيها على حماية الدولة والمواطن. وأفضل ضمان لمستقبل أكثر استقراراً هو أن تصبح كلفة خرق الالتزامات واضحة، وأن تكون للدولة القدرة على تنفيذ القانون وحماية الحقوق.

 

6- مع تصاعد التوترات حول مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ما الخطوات التي تتخذها الحكومة الشرعية لضمان حرية الملاحة الدولية دون اللجوء إلى حلول عسكرية إضافية قد تعقد الوضع الإقليمي؟

في الحقيقة، لا يمكن النظر إلى التهديدات الحوثية الحالية للوضع الأمني في باب المندب والبحر الأحمر بعيداً عن خبرتنا في التعامل مع الحوثيين؛ إذ لا يمكن لحلول مؤقتة تحت شعارات التهدئة أن تخدم الأمن والاستقرار في هذه المنطقة. نحن نشرح لشركائنا طبيعة التهديد، ونتشارك معهم التصورات وفرص الحل. وتشير التقارير الدولية إلى أن المليشيات الحوثية تبني شبكات تخادم ودعم مع مجموعات إرهابية في القرن الأفريقي، وتتبادل معها الخبرات والتدريب، وتتعاون في أنشطة التهريب.

ونعمل على توسيع التعاون في تبادل المعلومات البحرية، وأمن الموانئ، والتدريب والتجهيز لخفر السواحل، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وربط الجهات المختصة لدى الدول المشاطئة. هذه قدرات تساعد على اكتشاف الخطر ومنعه قبل أن يتحول إلى اعتداء على سفينة، وهي جزء من الرؤية التي نطرحها في شراكاتنا البحرية.

ويوازي ذلك العمل على إنفاذ حظر تهريب السلاح وتتبع شبكات التمويل والشراء والنقل المرتبطة بالأنشطة العسكرية المحظورة. هذا مسار مختلف عن إطلاق حملة عسكرية جديدة؛ إنه استخدام للأدوات القانونية والدولية لمنع تجدد القدرة على الاعتداء.

كذلك نريد موقفاً دولياً متماسكاً يرفض ويجرّم استهداف الملاحة أو فرض شروط انتقائية عليها، ويعيد الاعتبار لسلامة خطوط الملاحة وتجنيبها الفوضى وأعمال التقطع والإرهاب. ويمكن لروسيا، بما لها من علاقات ودور في مجلس الأمن، أن تسهم في هذا المسار.

لا نزعم أن الحكومة تستطيع، بإمكاناتها الحالية، ضمان أمن هذا المجال البحري الواسع وحدها؛ ولهذا نطلب شراكات تبني القدرة اليمنية وتحترم السيادة. وفي المقابل، تجنب اتساع الحرب لا يعني مطالبة الدولة بالتخلي عن حقها في حماية مواطنيها أو قبول الاعتداءات.

تقوية مؤسسات الدولة ليست مرادفاً لعسكرة البحر؛ يمكن أن تكون الطريق إلى تقليل الحاجة إلى التدخلات العسكرية الاستثنائية فيه. وهذا هو أحد أوجه الاستدامة الذي نسعى إليه.

 

7- كيف تقيمون تأثير التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية على الأزمة اليمنية، وما موقفكم من الدعوات الروسية لرفع أي حصار قد يؤثر على وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع مناطق البلاد؟

نقيّم أي دور خارجي بمعيار واضح: هل يساعد اليمنيين على استعادة دولتهم وقرارهم، أم يزيد من قدرة جماعة مسلحة على تجاوز هذه الدولة؟ ليس كل حضور خارجي متشابهاً، ولا يصح وضع الشراكة مع مؤسسات الجمهورية وتسليح جماعة تستولي على اختصاصاتها في مرتبة واحدة.

علاقتنا بالسعودية ودول التحالف تقوم على إسناد الدولة اليمنية، ويظل احترام السيادة والمصلحة الوطنية أساس هذه العلاقة. وفي المقابل، نرفض الدعم الإيراني الذي يعزز قدرات الحوثيين ويوظف الجغرافيا اليمنية في تهديد الجوار والممرات. هذا الرفض لا يعفينا من مراجعة أدائنا، ولا يعفي الحوثيين من المسؤولية المباشرة عن قراراتهم.

أما الدعوات الروسية إلى إزالة القيود التي تعوق وصول الغذاء والدواء والمساعدات، فنحن نتفهم الدافع الإنساني الذي تنطلق منه، ونتفق معها على ضرورة ضمان وصول الاحتياجات الأساسية إلى جميع اليمنيين دون عوائق غير مبررة، ونعمل عليها مع المجتمع الدولي، وندعو الحوثيين إلى تسهيل أعمال المنظمات الإنسانية، وعدم تجيير النشاط الإنساني والتجاري والاقتصادي لخدمة آلة الحرب التي لم تتوقف منذ 12 عاماً، حين دخلوا العاصمة صنعاء وانقلبوا على الدولة. فلا يجوز معاقبة المدنيين بسبب مكان إقامتهم، ولا استخدام احتياجاتهم أداة ضغط. حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات إلى جميع المناطق التزام لا خلاف عليه.

ومن ناحية ثانية، يجب أن يكون التمييز واضحاً بين تسهيل حياة المدنيين وبين السماح بتدفق السلاح. نريد موانئ ومطارات تخدم الناس، وإجراءات رقابية قانونية وشفافة لا تتحول إلى تعطيل غير مبرر للإغاثة أو التجارة المدنية.

ولدينا مع روسيا علاقات تاريخية وحوار صريح نحرص على تطويره سياسياً واقتصادياً وتنموياً. قد تتباين بعض التقديرات، لكن دعم سيادة اليمن ووحدته وحماية شعبه أرضية مهمة للبناء. المعادلة التي نريدها هي فتح الطريق أمام احتياجات الناس، وإغلاقه أمام ما يجدد الحرب عليهم.

 

8- من المعلوم أن نوعاً من الاتفاق على خط اليمن كان قريباً من أن يحصل قبل اندلاع شرارة الحرب على إيران، إلى أي مدى يدفع اليمن اليوم ثمن المجازفة التي قادها الغرب في الشرق الأوسط؟

التعقيدات التي تحول دون اتفاق ما كامنة في الداخل اليمني، وأبرزها طبيعة المليشيا الحوثية التي لا تتصور نفسها إلا متسلطة ودموية ومسلحة، وتتعامل بمنطق القوة والسلاح وفرض الأمر الواقع، وبالتالي تفضل أن تنغمس في الصراع على الانفتاح على اتفاق ينزع عنها طبيعتها ويضع السلاح والسلطة ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.

وينبغي التمييز بين ما عمّق الأزمة اليمنية وما أنشأها. لا شك أن الحرب على إيران واتساع المواجهة الإقليمية زادا تعقيد المشهد، لكن الأزمة اليمنية لم تبدأ بهذه الحرب. الانقلاب على مؤسسات الدولة وقع عام 2014، ومنذ ذلك الحين يدفع اليمنيون ثمن مصادرة القرار الوطني وتعطيل المسار السياسي بالقوة. اختزال هذه الجذور في صراع إقليمي لاحق لا يساعد على فهمها أو معالجتها.

صحيح أن جهوداً جادة بُذلت، وأن الأمم المتحدة أعلنت في ديسمبر 2023 التزام الأطراف بمجموعة من الإجراءات التي تمهد لخارطة طريق، تشمل وقف إطلاق النار، والرواتب، واستئناف صادرات النفط، وفتح الطرق، وتخفيف القيود على المطار والموانئ. لكن ذلك كان مساراً قيد البناء، وليس تسوية نهائية مكتملة ومضمونة النتائج.

لذلك ليس دقيقاً القول إننا كنا قريبين من توقيع اتفاق. لقد جعل تداخل الأزمات اليمن أكثر تعرضاً للصدمات، لكن مواجهة ذلك تبدأ بإعادة القرار إلى مؤسسات الدولة، لا بتكريس أن مستقبل بلدنا يتوقف على نتيجة مواجهة بين عواصم أخرى.

اليمن ليس تعويضاً لأحد عن خسارة في ساحة أخرى، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا ورقةً لتحسين شروط التفاوض الإقليمي لأي قوة إقليمية. موقفنا مستقل في غايته: حماية شعبنا، وإنهاء الانقلاب، واستعادة دولة تقيم علاقاتها مع الجميع على أساس الاحترام والمصالح المتبادلة.

 

9- لولا سياسة الحرب الغربية التي انتهجتها أميركا في المنطقة، هل كان من الممكن أن يدخل اليمن في مرحلة من التوافق بين الأطراف المعنية؟

الملف اليمني لديه مفاعيله ومؤثراته شبه المستقلة، وتعنت المليشيا الحوثية ونكوصها عن السير في خطوات بناء الثقة الممهدة لأي اتفاق سبقا الحرب الأميركية الإيرانية بنحو ثلاث سنوات، لكن يمكن القول إنه كان من شأن بيئة إقليمية أقل تصعيداً أن تمنح التوافق اليمني فرصة أفضل. التوافق يحتاج في الأساس إلى إرادة داخلية تقبل بأن السلطة تُكتسب بالاختيار الشعبي، وأن السلاح لا يمنح صاحبه حقاً إضافياً على بقية المواطنين.

لذلك لا أرى أن السؤال يُحسم بافتراض أن تغيير السياسة في المنطقة وحده كان سيحل الأزمة اليمنية. من مسؤولية القوى الدولية أن تقلل أسباب التوتر وتدعم السيادة، ومن مسؤولية اليمنيين ألا يسمحوا لأي مشروع مسلح باختطاف مستقبلهم وربطه بحسابات خارجية.

أما الأرضية التي يمكن أن يتأسس عليها التوافق، فهي ليست صعبة: دولة واحدة، ومواطنة متساوية، ومؤسسات تحتكر السلاح والقرار السيادي، وحياة سياسية تتسع للتعدد. من يلتزم بالعمل السياسي السلمي ويحتكم إلى الدستور والقانون لا يحتاج من الحكومة إلى منحة خاصة للمشاركة؛ هذا حق يكفله الدستور والقانون، شأنه شأن بقية اليمنيين. ما نرفضه هو أن يدخل أحد السياسة محتفظاً بقدرة مسلحة تتيح له نقض نتائجها.

ومن الدروس التي ينبغي استيعابها أن انخفاض حدة الاشتباكات لا يعني بالضرورة زوال أسبابها. أي ترتيبات لاحقة تحتاج إلى التزامات قابلة للتحقق، ومسؤوليات واضحة، وقدرة على معالجة الخروق، بالتوازي مع إصلاح مؤسسات الدولة نفسها واستعادة ثقة المواطن بها.

التوافق الذي نريده لا يصنع غالباً ومغلوباً بين المواطنين؛ لكنه ينهي امتياز السلاح فوق حقوقهم. وهذه هي المسافة بين تهدئة قابلة للانهيار واستقرار يمكن لليمنيين البناء عليه.

 

10- هل ما زال هناك أرضية مشتركة بين الحوثي في صنعاء والسعودية يمكن البناء عليها من أجل التأسيس لمرحلة مستقبلية، ولو كانت غير قريبة من التوافق؟ وما أبرز النقاط المشتركة التي يمكن البناء عليها؟ وهل هناك وساطة ممكنة على خط اليمن؟

أي تفاهم قابل للاستمرار يجب أن ينطلق من فهم أصل الأزمة بصورة دقيقة. جوهر الصراع في اليمن هو انقلاب المليشيا الحوثية على الدولة وفرض سلطتها بالسلاح على اليمنيين. الأزمة، في حقيقتها، ليست بين السعودية والحوثي، بل إن جوهر القضية هو تصادم مشروع الدولة الوطنية في اليمن، الذي تمثله الشرعية الدستورية، مع مشروع اللادولة الحوثي القائم على تحويل اليمن إلى منصة لتهديد المنطقة والمصالح الدولية، عبر إقحام اليمن في صراعات وحروب استنزفت البلد وقوضت فرصه في الحياة والتنمية والاستقرار.

وقد وقفت المملكة العربية السعودية الشقيقة إلى جانب الشعب اليمني وقيادته الشرعية، وقادت تحالف دعم الشرعية استجابةً لطلب الدولة اليمنية عام 2015، لمساندتها في مواجهة الانقلاب واستعادة مؤسساتها.

ونحن نثمّن للمملكة هذا الموقف الأخوي وما قدمته من دعم وتضحيات. شراكتنا معها راسخة، تجمعها مصالح البلدين وروابط الجوار، وتمتد إلى التنمية والتعافي وبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً. وننظر إلى دورها في دعم الدولة اليمنية بوصفه ركيزة مهمة لأمن اليمن واستقرار المنطقة.

أما عن إمكان البناء على التواصل، فنحن نقدّر المساعي السعودية، ونرحب بكل تواصل يسهم في وقف الاعتداءات وحماية المدنيين وأمن الجوار وتهيئة الظروف لمعالجة جادة للأزمة. ولكي يستمر أثره، يجب أن يقترن بالتزام حوثي واضح بإنهاء الانقلاب، واحترام مؤسسات الدولة، والتخلي عن فرض الإرادة بالسلاح. فمستقبل اليمن يقرره اليمنيون عبر دولتهم ومسارهم الوطني، بدعم أشقائهم وشركائهم، بناءً على القرارات الدولية والمرجعيات المتوافق عليها.

وهناك أسس واضحة يمكن البناء عليها: وقف الاعتداءات على المملكة، واحترام سيادتها وأمنها، وعدم استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الجوار، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية والملاحة، وتخفيف معاناة الناس. المعيار هو مدى استعداد الحوثيين لتحويل هذه الالتزامات إلى أفعال يمكن التحقق منها والبناء عليها.

والوساطة يمكن أن تؤدي دوراً بنّاءً متى ساعدت على تحقيق هذه الأهداف، واستندت إلى المرجعيات المتفق عليها محلياً وإقليمياً ودولياً، واختبار جدية الالتزام بها يكون بالأفعال والضمانات، لا بالإعلانات وحدها. أمن السعودية يتعزز بوجود يمن آمن ومستقر؛ وقيام دولة يمنية مستقلة وقادرة هو أحد أهم ضماناته.

 

11- بعدما رشحت معلومات عن إمكانية وجود دور مصري في تقريب وجهات النظر، ما مدى جدية هذه المعلومات؟ وكيف يمكن أن تتحرك القاهرة على خط الوساطة؟ وما هي الأوراق التي يمكن أن تقدمها للوساطة ورأب الصدع في اليمن؟

مصر شريك عربي أساسي، ونقدّر دورها وحرصها على أمن اليمن واستقراره. والتشاور والتنسيق مع القاهرة بشأن اليمن وأمن البحر الأحمر والعلاقات الثنائية مستمران وفاعلان. وقد بحثت مع نظيري المصري في لقائنا الأخير سُبل تطوير التعاون والقضايا المشتركة.

وتستند أهمية الدور المصري إلى علاقات تاريخية راسخة مع اليمن، وثقل عربي ودولي، وموقف داعم للدولة اليمنية ووحدتها وسيادتها. كما أن أمن البحر الأحمر وباب المندب يرتبط مباشرة بمصالح البلدين وسلامة الملاحة في قناة السويس. لذلك، فإن استقرار اليمن وقدرة مؤسساته على حماية سواحله وموانئه يمثلان مصلحة مشتركة يمكن البناء عليها.

ويمكن للقاهرة أن تسهم في حشد موقف إقليمي ودولي أكثر تماسكاً لوقف الاعتداءات، ودعم الاستجابة الإنسانية، وتعزيز قدرات المؤسسات اليمنية، إلى جانب مساندة الجهد الأممي وتعزيز التعاون بين الدول المشاطئة لحماية البحر الأحمر. فقيمة أي دور دبلوماسي تكمن في قدرته على بناء التوافق حول معالجة أسباب الأزمة، وترجمة ذلك إلى التزامات واضحة يمكن تنفيذها ومتابعتها.

وننظر إلى هذه الإسهامات في تكامل مع الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في دعم الدولة اليمنية، وقيادتها لتحالف دعم الشرعية، وبما يساند المسار الأممي، بالتنسيق مع الحكومة اليمنية واستناداً إلى المرجعيات المتفق عليها وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. ونقدّر ما يمكن أن تقدمه روسيا وسائر الشركاء لدعم هذا التوجه وتوحيد الجهود.

ما نريده هو تحرك يساعد اليمنيين على استعادة دولتهم وأمنهم، ويحمي المدنيين، ويؤسس لاستقرار مستدام في البحر الأحمر والمنطقة. وهذه أهداف تلتقي فيها المصالح اليمنية والسعودية والمصرية والعربية، ونرحب بأي مبادرة تسهم في تحقيقها. أما الحديث عن وساطة محددة وتفاصيلها، فيُترك لما يُعلن رسمياً عبر القنوات المعنية.